|
23/03/2005 |

|
المركز يكرم الكاتب الكبير الراحل محمد شكري |
بتاريخ 26 ديسمبر 2003 نظم مركز الدراسات التعاونية للتنمية المحلية، بالتعاون مع فرع الناظور لاتحاد كتاب المغرب، يوماً دراسياً تكريماً للكاتب المغربي الكبير الراحل محمد شكري.
وقد ساهم في هذا اليوم الدراسي مجموعة من النقاد المرموقين والكتاب أمثال إدريس الخوري وكذا بعض الشعراء، كما حضره جمهور غفير من مثقفي المدينة والطلبة ومواطنون من مختلف المشارب. وقد كان اليوم بحق حدثاً ثقافياً رائعاً قلما شهد مثله.
فيما يلي الكلمة التي ألقيت باسم مركز الدراسات التعاونية للتنمية المحلية بالمناسبة:
أيتها السيدات، أيها السادة؛
باسم مركز الدراسات التعاونية للتنمية المحلية أشكركم جزيل الشكر على تلبيتكم لدعوتنا لحضور اليوم الدراسي المخصص لتكريم الكاتب المغربي الكبير الراحل محمد شكري.
إننا عندما قررنا في المركز عقد هذا اللقاء لتكريم محمد شكري فعلنا ذلك وفاء لعقد عقدناه على أنفسنا كمنظمة غير حكومية تراهن على الحياة وعلى المستقبل: ومحمد شكري حاضر فينا، والمستقبل حاضر فينا.
محمد شكري عاش فقيرا، والفقراء شركاؤنا، منهم نستلهم تحدياتنا لمواجهة التخلف والبؤس واليأس وتحويل التخلف والبؤس واليأس إلى مشاريع مثمرة للعمل والأمل.
محمد شكري دافع بطريقته الخاصة عن الفقراء، عن المهمشين، عن المنبوذين، ونحن في مركز الدراسات التعاونية للتنمية المحلية ندافع بطريقتنا الخاصة عن الفقراء والمهمشين والمنبوذين.
التقينا بمحمد شكري حياً سنة 1993 هنا في الناظور. كانت الصورة رائعة: الناظور تعانق ابنها الذي غادرها في سن السابعة وهو يعود إليها في سن57 ! واليوم تقول الناظور وداعا محمد شكري، مرحباً بكل الفقراء !
محمد شكري، محمد الريفي، محمد المغربي، محمد المغربي، محمد الكوني! محمد شكري عاش فقيراً في شكريته، ضائعاً في ريفيته، مهمشاً في مغربيته، عظيماً في كونيته.
كم نحن الآن فقراء أمام ثروة محمد شكري الكونية. وكم هو رائع هذا التحدي: تحدي محمد شكري في تحويله الفقر إلى غنى، إلى ثروة لكل الوطن، للفقراء والأغنياء معا!
محمد شكري عاش فقره، كتب فقره، روى فقره، سهر فقره، شهر فقره، ومات موت الأغنياء بالرغم من أن الأغنياء يموتون دوما موت الفقراء!
أيتها السيدات، أيها السادة:
إن اتحاد كتاب الريف، أو فرع الناظور لاتحاد كتاب المغرب، واتحاد فقراء الريف، أو مركز الدراسات التعاونية للتنمية المحلية، أبوا إلا أن يستحضروا عظمة محمد شكري في هذه اللحظة التي نحن محتاجون فيها أكثر من أي وقت مضى إلى غنى الفقراء في زمن يسود فيه فقر الأغنياء.
إننا هنا نحتفل بمحمدنا، بشكرينا، محمد شكري الريفي، الفقير، المهمش، المقصي. ولا عجب أن تسكت عن هذا اللقاء صحف هذا البلد، وتسكت عن لقاءات أخرى كثيرة، سابقة ولاحقة. فلنا محمد شكري الحي فينا، ولهم محمد شكريهم الميت فيهم: محمد شكري المحنط في ماركيتينك الإعلام.
محمد شكري حي فينا، في ضيوفنا الكتاب والأدباء والمبدعين، في هذا الادريس الخوري، في هذا الجيل من النقاد المتمردين، في كل كاتب عظيم في فقره، في كل من ينتمي لهذا الوطن ويقول : نعم أنا مغربي، أنا هاهنا حي لا أموت لأن الفقر علمني أن أعطي مكانة لبلدي.
وداعا محمد شكري، مرحبا بألف محمد شكري.
بعد ذلك ترأس رئيس اتحاد كتاب المغرب، فرع الناظور، الجلسة الصباحية التي رحب فيها باسم الفرع وباسم المركز بالحضور الكريم، وألقى بالمناسبة كلمة اتحاد كتاب المغرب:
" هذا اللقاء الذي نخصصه للراحل محمد شكري، باعتباره كاتبا مغربيا كبيرا ومتميزا، من أبناء هذه المنطقة، بالذات من قبيلة بني شيكر التي تبعد عن مدينة الناظور بحوالي عشرين كيلومترا. اسمه في الأصل هو ( محمد الشكري) ، نسبة إلى هذه القبيلة. هاجر مع أسرته في أواسط الأربعينات إلى طنجة وتطوان، ضمن حركة الهجرة التي عرفتها هذه المنطقة خلال هذه الفترة بسبب ظروف الجفاف والقحط نحو الجزائر وطنجة التي كانت خاضعة أنذاك لنظام دولي خاص.
ورغم ظروف حياته القاسية، والتحاقه المتأخر بالمدرسة في سن العشرين من عمره، فإنه استطاع أن يصل إلى مرتبة الكتاب الكبار، ويحقق لنفسه وللمغرب شهرة عالمية، إذ بلغ عدد اللغات التي ترجمت إليها روايته (الخبز الحافي) أربعين لغة. واشتهر بكونه أول كاتب باللغة العربية:
يعيش من مردود كتبه. في ( تاريخ المغرب الحديث ). بل إنه أشهر كاتب مغربي في العصر الحديث.
وتتوزع الأعمال الأدبية التي نشرها بين عدة أجناس أدبية: الرواية- القصة القصيرة- المسرحية- والمذكرات الأدبية:
ففي مجال الرواية نشر: الخبز الحافي، زمن الأخطاء، السوق الداخلي، ووجوه.
وفي مجال القصة القصيرة نشر مجموعتين قصصيتين هما: مجنون الورد والخيمة. وله مجموعة أخرى غير منشورة بعنوان: "المدينة المضادة".
وفي مجال الكتابة المسرحية نشر مسرحية واحدة بعنوان" السعادة"، وله نصوص مسرحية أخرى غير منشورة مثل: " الزلزال " – استرناكوس العظيم أو موت عبقري.
أما في مجال المذكرات الأدبية فقد ظهرت له ثلاثة كتب تتعلق بذكرياته مع بعض الكتاب الأجانب الذين أقاموا بمدينة طنجة: جان جنيه- تينسي وليامز، وبول بولز، بالإضافة إلى كتابه " غواية الشحرور الأبيض " الذي أعتبره سيرة ثقافية في القراءة والكتابة.
ويكفي الراحل فخرا وشهرة أن أعماله أثارت كثيرا من الجدل والنقاش بين النقاد والقراء وخاصة “ الخبز الحافي " لما فيه من صراحة وتعرية لأسرار النفس البشرية، وفضح لسلوكيات النفاق والتناقض والتستر والخداع في مجتمعنا، ولما فيه من كشف عن حقائق وقيم أصيلة وجوهرية في حياة الإنسان والمجتمع .
إن كتابات شكري تصدم القارئ العادي، وتخلخل الكثير من الثوابت والطابوهات أو تعري الكثير من القيم المزيفة، وتفضحها وتجلوها عارية واضحة أمامنا بدون التواء أو مواربة. كتابة يتداخل فيها الواقعي مع المتخيل ويتقاطع فيها الذاتي مع الغر ائبي.
والأحداث والسلوكيات الغريبة التي يحكي عنها ليست حقيقية بالضرورة، أو أنها وقعت بالفعل، وليست أحداثا عاشها شكري نفسه بالضرورة، أو أنها وقعت بالفعل، وليست أحداثا عاشها شكري نقسه بالضرورة، وإنما هي أحداث وسلوكات قد تحدث لأي إنسان أو لأي واحد منا في ظل شروط مجتمعاتنا المحافظة.
وبرغم ما قيل عن ارتباط رواياته وقصصه بأحداث حياته، وغلبة طابع السيرة الذاتية عليها فإنها على مستوى كتاباته النصية ليست سيرا بالمفهوم العادي للسيرة، وإنما هي كتابات سردية إبداعية يلعب فيها الخلق الخيالي والتشكيل السردي وتشكيل الأحداث والأزمة والأمكنة والفضاءات والشخوص دورا رئيسيا. لان أحداث الحياة حيث تنقل إلى عالم اللغة الادبية والكتابة السردية تفقد واقعيتها المباشرة، لتتشكل في فضاءات وعوالم جديدة، وتكتسب أبعادا ودلالات جديدة بفعل عملية التخيل الفني والتشكيل السردي.
علما بأن تجارب الحياة الشخصية للكتاب هي أحد المصادر الأولى لكتاباتهم، ولكنها ليست المصدر الأساسي والوحيد في عملية الخلق الأدبي. وحين تنقل هذه التجارب على مجال الكتابة تخضع لعملية تشكيل، وإعادة بناء يضفيان عليها طابع الغرابة والطرافة والإبداع.
لقد رحل عنا محمد شكري، وغادرنا منذ شهر ونصف تقريبا، وقد تجاوز عمره الثامنة والستين وبعد صراع مرير مع داء السرطان استمر أكثر من سبعة أشهر بالرباط تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، وبعد المجهودات الكبيرة التي بذلها أطباء المستشفى العسكري.
رحل شكري والتحق بالراحلين من الأدباء والفنانين المغاربة الذين اختطفهم مثله هذا الداء اللعين:
الشاعر عبد الله راجع- الشاعر والكاتب محمد خير الدين- الشاعر أحمد المجاطي- الشاعر احمد الجوماري – الفنان محمد الحياني- الفنان العربي باطمة- القاص والروائي محمد زفزاف- المسرحي محمد الكغاط- والفنان التشكيلي محمد القاسمي.
لكن رغم رحيل شكري وغيابه فإنه سيظل حيا حاضرا في ذاكرتنا الثقافية متحديا الموت والقدر وحدود الزمان والمكان، سيضل حاضرا في خيالنا باستمرار بشخصيته المتميزة، بأنفته الريفية وعناده وشغبه الجميل، وسيضل حاضرا بيننا بأعماله الراقية التي ستخلد اسمه في تاريخ الأدب المغربي والعالمي.
وقبل أن أختم هذه الكلمة أستسمحكم، في أن أتقدم إلى السلطات المحلية والجماعات المحلية بإقليم الناظور، باقتراح الملتمس باسم اتحاد كتاب المغرب وباسم مركز الدراسات التعاونية للتنمية المحلية وباسم الإخوة الأساتذة الضيوف الذين جاؤون من الرباط وفاس، يتعلق هذا الملتمس بطلب تسمية بعض شوارع وساحات مدينة الناظور، وبعض المراكز الحضرية بالإقليم باسم محمد شكري، وأيضا بعض المؤسسات التعليمة والثقافية وخاصة المركب الثقافي الذي هو طور الإنجاز بمدينة الناظور، تخليدا لإسم هذا الكاتب المغربي الكبير، واعترافا له بالجميل وبالشهرة التي حققها للمغرب والمغاربة..
رحم الله محمد شكري والسلام عليكم."
بعد ذلك، أحال الكلمة رئيس الجلسة للأساتذة المشاركين الذين قدموا قراءات نقدية في أعمال محمد شكري، وتجربته في الكتابة السردية، حيث ساهم كل من: نجيب العوفي- عبد الحميد عقار- محمد الوالي- عبد الرحيم العلام ومحمد أقضاض في تسليط الضوء على المنتوج الإبداعي للكاتب الراحل.
ليستمر هذا اللقاء الثقافي الهام الذي ترأسه الأستاذ محمد أزيرار، والذي تميز بالتنوع والزخم من خلال قـــــــــراءات شعريــــــــــة، وشهـــــــــادات في حق هذا المبدع الجرييء الذي حاول سبر أغوار النفس البشرية بالكشف عن مكامن الخلل في الواقع الإجتماعي.
وقد أغنى هذه الجلسة كل من إدريس الخوري، الحسين القمري، عبد الحــــــكيم امعيــــوة، عبد الرحــــــيم فـــــــوزي و عز الدين الوافي، الذين لم يتوانوا عن التنويه بإبداعات شكري، وإبداء رغبتهم في تسجيل أسمائهم عبر المشاركة في تكريم هذا الكاتب الكبير: صديق الفقراء.
تبقى هذه الالتفاتة وغيرها، في حق هذا المبدع الكبير رغم أهميتها وإشعاعها ووزنها مجرد نقطة من بحر الاعتراف بجميل إبداع غني وخالد.... وهكذا، سيضل محمد شكري هذا الغائب الحاضر حي فينا دائما بإبداعاته المتميزة.
مواقع خاصة بمحمد شكري:
http://www.mohamedchoukri.8m.com/