06/01/2005

قيس مرزوق الورياشي، رئيس جمعية سيكوديل في تصريح حول زلزال الحسيمة لجريدة "اليسار الموحد"

 الزلزال لا يضرب موعداً. لا أحد في ليلة يوم الإثنين 23 فبراير كان ينتظر الفاجعة. تلك الليلة كنت مسافراً على متن القطار في اتجاه الدار البيضاء. من كثرة العياء بعد مساهمتي في ندوة جريدة اليسار الموحد جول الريف يوماً واحداً قبل الزلزال، لم أنتبه إلى الهاتف المحمول وهو يرن حوالي الساعة الثالثة والنصف فجر الإثنين إلى الثلاثاء. عند وصولي إلى الدار البيضاء قرأت في المحمول على الساعة السابعة صباحاً رسالة تخبرني بخير الفاجعة.

مباشرةً بدأت أتصل برفاقي ورفيقاتي في مركز الدراسات التعاونية للتنمية المحلية في الناظور للالتحاق بالمقر لعقد اجتماع استعجالي للنظر في أشكال التدخل العاجل. لحظات وكان المقر قد تحول إلى خلية أزمة. أما رفاقي في الحسيمة فكانوا في قلب الحدث منذ الدقائق الأولى ينبشون في الحطام بحثاً عن أحياء وعن جثث.

حسن، رئيس بلدية إمزورن، كان يقود سيارة الإسعاف من إمزورن إلي الحسيمة فإمزورن فالحسيمة فإمزورن... خالد كان يدفن بيديه عشرات الموتى وآخرون يقومون بنفس الشيء في مناطق متعددة.

ساعة بعد اجتماع الناظور ينطلق رفاق الناظور إلى الحسيمة ومعهم سيارتا إسعاف وثلاثة أطباء متطوعين وسيارة محملة بالأدوية. أمام الفاجعة ليس هناك وقت للتفكير، عليك أن تتحرك.

تمر ساعات، وأيام، ويكثر المتدخلون ويتكاثر التضامن. التضامن يتحول إلى فوضى. هول الفاجعة لم يترك وقتاً للتفكير. السلطات والمسؤولون العموميون ينتقلون من موقث لآخر، من موقف سوء تقدير هول الكارثة والتقليل من أهميتها إلى موقف الرغبة في التحكم في كل شيء حفاظاً على الأمن (وأي أمن؟) إلى موقف المتفرج إلى موقف النقد الذاتي الخجول إلى موقف التحرك بتوع من الواقعية. جمعيات المجتمع المدني ترتبك هي الأخرى. الكل يريد أن يساعد، لكن بدون تخطيط ولا برنامج ولا تصور. في أشكال التنسيق والدعم، تظهر عدة تنسيقيات، حزازات سياسية وأخرى شخصية تعيق محاولة سيكوديل جمع الشمل. الكل يريد أن يعمل لوحده، الكل يريد أن "يحتكر" الكارثة، الكل يريد أن يظهر في التلفزيون أو أن يصبح القائد الأعلى لعلميات الإنقاذ.

سيكوديل يحاول ألا يتربك مع المرتيكين. ربع ساعة اجتماع لتنسيق العمليات كفيل لضمان نجاعة التدخل. لا وقت للبكاء. الزلزال دمر المنطقة وعلينا الآن النظر للمستقبل.

المواطنون يتابعون تلفزة الرباط وتلفزة الدار البيضاء، يسمعون عن الإعانات وعن التضامنات من مختلف الجهات. لا برامج تحسيس ولا نداءات اطمئنان. ينفجرون في وجه كل من يحاول الاقتراب إليهم. تختلط الأمور بين المحتاج وغير المحتاج، بين المتضرر وغير المتضرر. تظهر حالة هستيريا معممة تتحول أحياناً إلى نهب واعتداء. عندما تشتد الأزمة، تتحرك الغريزة ويجمد العقل.

الزلزال يشكف عن حالة جديدة: العودة إلى أزمة الثقة بين الدولة والمجتمع المدني. الدولة في رغبتها في احتكار "التضامن" تتحول إلى آلة للضبط وتعيق سرعة التدخل، والمجتمع المدني بثقله ووعيه بدوره، يتحرك بسرعة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وفي نفس الوقت يخوض معركتين: معركة داخلية ضد "الموتشاتشو"، تلك النزعة السياسوية التي تغتنم الكوارث لتظهر في صورة البطل الذي يريد أن "يصل" إلى الرباط، ومعركة خارجية ضد إستراتيجية الدولة التي بدت وكأنها تقول: لنضبط الأمور أولاً، ثم لنتدخل فيما بعد، عندما يكون كل شيء قد هدأ.

لكن "رقصات" الأرض لم تهدأ بعد! وزلزال الفقر والتهميش ما زال يهدد الريف منذ زمن طويل!

درس واحد تعلمته بعض منظمات المجتمع المدني التي لم يتحدث عنها التلفزيون: الشعب يحتاج إلى تأطير، والدولة تحتاج إلى تأهيل. لا الشعب ولا الدولة كانا مستعدين لمواجهة الكارثة. علينا أن نتعلم من الكارثة. علينا جميعاً أن نكون مؤهلين للمواجهة: مواجهة كارثة الزلزال الطبيعي، ومواجهة كارثة الزلزال الاجتماعي.

ومع تعلم الدرس يأتي الفعل. إن الزلزال مناسبة للمراجعة: المجتمع المدني في حاجة إلى المزيد من التأطير، فقد أبان عن قدرة هائلة في التدخل لكن نفص كبير في التنظيم، والدولة في حاجة إلى مراجعة أزمة ثقتها في المجتمع المدني وبعض المسؤولين في حاجة إلى الانصراف إلى حالهم، لأنهم لم يكونوا في مستوى تحمل مسؤولياتهم.

بعد الخراب يأتي الإعمار. وللإعمار طريقان: طريق توطيد المواطنة عبر كل أشكال التضامن، وطريق "تجار الكوارث" الذين يعتبرون أكثر خطورة من الزلزال.

 

نقلاً عن جريدة "اليسار الموحد"، 5 مارس 2004، صفحة 5