23/03/2005

 رسالة الرئيس

في عام 1978 أسست مجموعة من الشباب، طلبة وأساتذة، جامعة شعبية سميت بالانطلاقة بهدف إنعاش الثقافة ودعم المجتمع المدني في الريف. الشعار الذي حمله مؤسسو هذه التجربة كان آنذاك: "ليس بالخبز وحده يعيش الإنسان"!

عشرون سنة فيما بعد، وانطلاقاً من تقييم نقدي لتجربة الانطلاقة، الغنية والمثيرة لكثير من الجدل في نفس الوقت، تقوم مجموعة من مؤسسي ومنشطي هذه التجربة من اتخاذ مبادرة جديدة في اتجاه مغاير يحمل هذه المرة اسم مركز الدراسات التعاونية للتنمية المحلية، وباختصار، المركز. سيكون الشعار هذه المرة: "ليس بالثقافة وحدها يعيش الإنسان"!

الخبز والثقافة في العمق شيئان متلازمان، ذلك أن المسألة في الواقع لا تتعلق بأولوية هذا على ذاك، بل إن الأمر يتعلق بمسألة العيش الكريم في وسط متغير حيث يطالب المجتمع المدني باستمرار لإعطاء أجوبة لعدد من المشاكل الموروثة عن ماض ثقيل، وطرح أسئلة على مستقبل يصعب تبيان آفاقه.

أن تعمل في منظمة غير حكومية مجال تدخلها هو الريف ليس بالأمر الهين. هنا بالضبط، كلما حاول المرء أن يفعل شيئا، يحس وكأنما يفعل ذلك لأول مرة، فالريف ورش هائل حيث ينبغي إعادة بناء كل شيء: إعادة بناء ما تم تدميره بما في ذلك الإنسان، وبناء المستقبل الذي يفرض نفسه. لذلك فالرهان كبير ومليء بالمخاطر.

قريباً ستكون قد مرت خمس سنوات على تأسيس المركز. لقد ركزنا مجهوداتنا خلال هذه السنوات على وضع دعائم التنظيم بإعطائه الشكل الذي يليق ولكن أساساً بإعطائه مضموناً ذي دلالة. وحتى نتمكن من ترجمة فسلفتنا إلى عمل ملموس، لم نعمل على التضحية بأكبر نسبة من وقتنا فقط، وضمان حد أدنى من البنية التحتية التنظيمية بجيوبنا الصغيرة، ولكن كان علينا أيضاً أن نستعين بصبر نموذجي عندما يتعلق الأمر بتقييم حصيلة مجهوداتنا. لقد كنا مقتنعين بأن العمل في أرض قاحلة مثل أرض الريف (حيث تندر بل وتنعدم سياسات الدعم المؤسسي، المحلية منها والوطنية والدولية) يفترض أن يتمسك المرء، اضطراراً، بذلك الصبر النموذجي.

خلال السنوات الثلاثة الأولى من تواجدنا عملنا على تمتين منظمتنا باستثمار كل مجهوداتنا وفي عدة اتجاهات: أعمال التشخيص وتحديد المشاكل، بلورة الإستراتيجيات، لقاءات، ندوات، حلقات تكوين. تواجدنا في المدن كما في البوادي حيث قمنا بملاحظة الواقع والاستماع إلى الناس وهم يعبرون عن حاجياتهم. إن عمل الفاعل التنموي ليس بالعمل الهين: إذ كيف يمكن أن نجعل من الحاجيات المعبر عنها – المتفردة أصلاً والمتسمة بكثير من الذاتية عموماً – حصيلة حاجة تنموية تلخص هذا المركب الاجتماعي والثقافي والتاريخي المسمى بالريف؟

الأمر ليس بالهين كذلك عندما يبحث المرء عن دعم وتشجيع، أو عندما يحاول إقناع شركاء ممكنين، أو يحاول أن يورط معه فاعلين محليين. فمن أصل مئات الاتصالات، ومن أصل حملة مكثفة من التواصل للحصول على الدعم، لم تكن الاستجابة إلا في مستوى هزيل جداً. هذه المسألة أيضاً نتفهمها: فقليلون جداً، إن لم يكن لا أحد، يستطيعون أن يغامروا بالعمل في أرض جديدة حيث التنمية والمنظمة غير حكومية مسألة تكاد تكون مجهولة!

صحيح إنه بتفانينا، بتضحياتنا، بصبرنا النموذجي، تمكنا خلال هذه السنوات الخمسة من ربح الدعم وربح المشاريع. إن حصيلة مشاريعنا وصلت العشرين ما بين مشروع منجز ومشروع بصدد الإنجاز، وهي مسألة هامة تميزنا. صحيح إننا تمكنا من التسيير المشترك، مع نظرائنا، بشفافية وبعض النجاحات، لقرابة 30 مليون درهم. بالمشاريع نتعلم إدارة المال بطريقة مغايرة. نتعلم التسيير الذاتي، نتعلم إدارة الحياة. إن اللعبة الديمقراطية تبدأ من هنا. أن تكون أو لا تكون ديمقراطياً، تلك هي المسألة!

مشاريعنا، رسالتنا. من هذا الركن القريب جداً والبعيد جداً عن العالم، من هذا الريف المنتمي لمغرب يسعى أن يكون حداثياً، كل ما نرغب فيه هو توجيه رسائل، أساساً للذين من حولنا، ربما من أجل تذكيرهم بأن المرء عندما يرغب، يقدر. رسائلنا محملة بالسلم والمستقبل. في المغرب، أرض السلم، بالعمل، بالتسامح، بالتعاون، بالصداقة بين الشعوب، نزرع الأمل والسلم معاً.

مشاريعنا، رسالتنا. بمشاريعنا نتعلم كيف نعي أن المرأة متواجدة فينا، وأن الطفل هو المستقبل، وأن البادية هي خلفيتنا. مركزنا يتوجه للجميع، لكنه أساساً يتوجه للمرأة وللطفل وللفلاح الفقير. لقد تحولنا من منظمة للرجال إلى منظمة للرجال والنساء معاً (تقريباً نحن الآن كيفكيف). لقد تحول مركزنا من منظمة أفكار إلى منظمة أفكار وتطبيق أفكار في هذا الحقل الشاسع الذي هو التنمية المستدامة. بقدرتنا على الإصغاء، لكن أيضاً بعملنا، بدأنا نرى كيف بدأت تتفتح براعم الأمل في هذا الريف المرمي به في الهوامش.

وإذا كان لابد من تقييم المركز خلال هذه السنوات الأولى من حياته، علينا أن نفعل ذلك في اتجاه المستقبل، في اتجاه الرهان على التغيير، في اتجاه مشروع المشروع.

المركز مشروع  في حد ذاته، أو بصيغة أحسن، إنه مشروع-أداة. المركز أداة لتفريخ مشاريع. كمشروع، نتصور المركز كأداة للتنمية وكفضاء للتواصل وتكوين الأفكار البناءة. كمشروع، نتصور المركز أيضاً كأرضية للمبادرات الاجتماعية من أجل مجتمع أكثر عدالة وأكثر كرامة.

وكما في أي مشروع، فإن التفاني والتضحية لوحدهما لا يكفيان. إن التنمية هي بالضرورة عمل جماعي متعدد. إن الرهان الأكبر للمركز خلال العشر سنوات القادمة هو التالي: تحويل الريف من أرض قاحلة إلى ورش كبير للعمل، ولن يتأتى ذلك بدون دعم ملموس من قبل مؤسساتنا  المحلية ومن قبل شركائنا الأوروبيين (حيث يتواجد في بلادهم شتاتنا وحيث تقدم قوات عملنا خدماتها وحيث تنتج القيمة الزائدة)  وبدون وعي الجماعات المحلية بضرورة الانخراط في مسيرة التغيير نحو التنمية المستدامة.

قيس مرزوق الورياشي

الرئيس المؤسس